قالوا إنها كانت رياضية واعدة، ثم زادوا أن هشام الكروج كان مدربها ذات يوم، وجاءت فرقة ثانية لتشكك في قول الأولين، فكيف لفتاة مصابة بالربو أن تكون عداءة، تعددت الأقاويل، لكن شيئا واحدا كان مؤكدا هو أن قلب دليلة توقف عن النبض وتراخت عضلات جسدها بعدما ابتلعها الموت، هدأت آلام الشابة المغربية وتحركت إسبانيا في جميع الاتجاهات وحبس الجميع أنفاسهم ليس خوفا من العدوى، بل شفقة على فتاة كانت بالكاد تستعد لبداية حياتها.
إنها أول حالة وفاة بسبب «أنفلونزا الخنازير» في إسبانيا، وشاءت الأقدار أن تكون الفتاة المغربية دليلة، التي بالكاد تجاوزت ربيعها العشرين، هي الطريدة التي اقتنصها الموت.
أحست بتغيرات طارئة، فذهبت إلى قسم المستعجلات بضواحي مدريد مرتين، وفي المرة الثالثة أرسلوها إلى مستشفى «غريغوريو ما رانيون»، هناك لم تكن أعراض «أنفلونزا الخنازير» خافية على الأطباء الذين حجزوا لها مكانا خاصا، لكن دليلة كانت حالة خاصة جدا، فإضافة إلى مرضها بالربو كانت تحمل في أحشائها طفلا. انتظروا أن تتحسن حالتها مدة أسبوعين، لكن وضعها كان يتدهور يوما بعد يوم، وعندما أيقن الأطباء أنها هالكة، أجروا لها عملية جراحية وأخرجوا الحي من الميت. وبعد ساعات من وضعها، ودعت دليلة هذا العالم تاركة زوجها وابنها الذي وضعه الأطباء في جهاز اصطناعي للتنفس لأنه لم يمكث في بطن أمه أزيد من 26 أسبوعا.
القنوات التلفزيونية الإسبانية تركت الاهتمام بتداعيات موت ملك البوب، مايكل جاكسن، واهتمت بوفاة الشابة المغربية، فبمجرد الإعلان الرسمي عن الخبر سارعت وزيرة الصحة الإسبانية ترينداد خيمينيث إلى عقد مؤتمر صحافي لطمأنة الإسبان، خصوصا الحوامل اللواتي بات بعضهن يعتقد أن الحمل والإصابة بـ«أنفلونزا الخنازير» يعجلان بالموت.
إنه أكثر يوم اتصل فيه الصحافيون الإسبان بالدبلوماسيين والمصالح القنصلية المغربية بمدريد، فرنين الهواتف لم يتوقف، والجميع يتلهف على معرفة قصة أول ضحية لفيروس الأنفلونزا الفتاك، لكن المعلومات، التي تقاطرت مثل قطرات الغيث، لم تكن كافية لتروي عطش أبناء مهنة المتاعب الذين لم يعرفوا حتى الاسم العائلي للضحية.
ورغم أن دليلة ولدت في مكناس فإن مثواها الأخير سيكون في مدينة المضيق، فقبرها يحفر وسط إجراءات غير عادية بحكم أنها توفيت بسبب مرض غير عادي، تاركة ابنها الذي سيحتاج، بعد سنوات، إلى قراءة أرشيف الصحف ليعرف أن الصحافيين الإسبان اهتموا به وهو ما زال لا يعرف سببا لوجوده في هذا العالم.
اختار زوج دليلة لابنه اسم ريان، فهو الأثر الوحيد الذي تركته دليلة له دليلا على مرورها من هذا العالم ذات يوم، لكن ريان، الذي لم يكتمل نموه بعد، سيثير لغطا بعد ساعات من ولادته، فالأطباء انقسموا حول ما إذا كان الرضيع يحمل فيروس حمى الخنازير أم لا، وبعضهم قالوا إنهم إزاء أول حالة من نوعها في العالم، لذلك لا يمكنهم الجزم بأي شيء ولا القيام بأي نوع من التحاليل للتأكد من الأمر، فوفاة دليلة وضع الجميع في حيرة.

| < السابق | التالي > |
|---|




















