لكل واحدة منهن قصة وحكاية، أما الأكيد، فهو أن قصصهن تتشابه في الألم والضياع، لكنها تختلف في الأسباب التي جعلت كل واحدة تختار طريق البحث عن أنماط بديلة للحياة. هن شابات لم يبلغن الثامنة عشر بعد، لكنهن أردن اختصار العمر والبحث عن حرية يعتقدن أنهن يفتقدنها في محيطهن.عشرات الحالات من الاختفاء، وعشرات المحاضر التي أنجزتها مصالح الشرطة لعائلات تبحث عن بناتها بعدما خرجن ولم يعدن.
من خلال هذا التحقيق، حاولن الإمساك بخيوط قصص بعض القاصرات اللواتي فضلن العيش بعيدا عن كنف الأسرة، شابات قاصرات تغيرت حياتهن كليا لأسباب متعددة، لكن النتيجة واحدة، وهي توقيعهن لعقد جديد مع الحياة أهم بنوده أن عليهن أن يتوفرن على أنياب من أجل أن يقبل الشارع بهن.
وفاء، مريم، إكرام، قصص تتشابه لكن المصير واحد
وفاء، (اسم مستعار) تحدثت إلينا على مضض لأنها كما تقول لا تريد أن توقظ مرارة بالكاد تحاول نسيانها، فوفاء ابنة 15 سنة وذات الملامح الصارمة والدّالة على أن هذه القاصر قد كبرت قبل الأوان، تحدثت إلينا وفي كل كلمة كانت تقولها كان هناك شعاع مائي يشع من عينيها وكأنهما دمعتان ساخنتان تريدان النزول.
تقول وفاء بصوت متحشرج، أنها غادرت بيت أهلها بعدما وجدته سجنا كبيرا لو بقيت فيه لاختنقت، ثم - تضيف- وكأنها وصلت لقناعة أصبحت بالنسبة لها كمبدأ ثابت فتقول؛" إن لم يكن باستطاعتك عيش حياة طبيعية فعش إذن حياة غير طبيعية"، هذا هو المنطق الذي تعيش به وفاء التي امتهنت أقدم مهنة في التاريخ - بشكل مؤقت- كما تقول حتى تجد عملا آخر تبني به حياتها !!
أما مريم ذات السابعة عشر سنة، فلم تخرج عن القاعدة في لوم الوالدين و"انغلاقهما ورجعيتهما المتخلفة التي لا يمكن التعايش معها"، لهذا فضلت البحث عن الحرية - حريتها هي- التي تراها كما لا يراها أحد.
مريم صرحت لـنا على أنها خرجت من بيت أسرتها قبل ستة أشهر تقريبا، وأنها كانت تقطن بمدينة وزان المعروفة بالبنية الاجتماعية المحافظة، لهذا تقول مريم "لقد شعرت بأني لم أولد ليقفل علي الباب في بيت ضيق، فقد كان العالم يظهر لي من النافذة على أنه يتغير بتغير الفصول، غير أني كنت أعيش فصلا واحدا اسمه الموت البطيء داخل بيت عتيق" وتضيف "لقد أرادت عائلتي أن أعامل جسدي كمعبد، فانتفضت وجعلت منه ملها ليليا كبيرا، كل جزء فيه له قصة وحكاية..".
خلال إعدادنا لهذا التحقيق، صادفنا قاصرات حكين لنا عن قصصهن بكل عفوية، وأخريات رفضن النبش في الجرح كما قلن، أما البعض الآخر منهن فقد اكتفين بإرشادنا عما نبحث عنه، لكن يبقى القاسم المشترك بينهن، هو أنهن قاصرات لم يجدن من يملي عليهن ما يفعلن، فعِشن لحظات فراغ روحي ونفسي واجتماعي وتربوي جعلهن يرين الخير في كل شيء حتى في الخروج للشارع غير مدركات أن الحياة لم ولن تلومهن، لكنها ستجعلهن يدفعن الثمن.
إكرام، تحمل بطاقة هوية من كلمة واحدة هي الضياع، فالشابة ذات السادسة عشر غادرت بيت أهلها منذ تسعة أشهر، ولحد الآن لا تعرف أي مصير ينتظرها، لكن الشيء الأكيد الذي تعرفه إكرام هو أنها لن تعود للبيت بعدما حاول زوج والدتها التحرش بها غير ما مرة- كما تقول-، وحينما سألناها عما ستفعل بمستقبلها، أجابتنا بصرامة ترتقي إلى القرار الحاسم حينما قالت؛" الآن أعطيت للشرف إجازة مفتوحة.. سأعطي للغير ما يريد وآخذ منه ما أريد أنا.."، هذا هو"الإيمان" الذي خرجت به إكرام بعد طول معاناة وتحرش جنسي من لدن زوج والدتها، فهذه القاصر أنهت حوارها معنا وهي تقول؛" ما الذي يجعلنا في ظنك نقبل بالمُر إلا الأمر منه"، انتهى كلام إكرام، لكن لم تنتهي معانات شابة قاصر حكمت على نفسها أو - حكمت عليها الظروف لافرق- بأن تفقد براءتها مبكرا، وعادة حينما نفقد البراءة، نضيع للأبد.
أما رشيدة وهو اسم حقيقي لشابة حكت لـنا تفاصيل رحلتها من بيت أهلها إلى عالمها الخاص، فرشيدة تعتقد أن لها من الأسباب ما يكفي لكي تغمرها الرغبة في الرحيل عن بيت الأسرة الذي ليس فيه لا الحب ولا الحنان ولا الاهتمام من طرف عائلتها، كل شيء حسب رشيدة مبني بصورة مزيفة، فلا شيء داخل الأسرة يستحق أن أعيش له أو معه أو لأجله تقول هذه الشابة ذات السابعة عشرة سنة، لذا خرجت للبحث عن نفسي، عن ذاتي، عن من أنا في الحياة..
هكذا تتحدث رشيدة التي أصبحت حياتها بعدا كل تلك الأسئلة وعلامات التعجب والاستفهام ضائعة وبدون بوصلة أو خارطة طريق بعدما وجدت أن الشارع ليس رحيما كما ضنت أو كما حلمت وتخيلت..
من المسؤول عن "هروب" القاصرات من بيت أهلهن؟؟
الملاحظ ونحن نجري هذا التحقيق الصادم خصوصا وأنه يسلط الضوء على مشاكل تربوية واجتماعية تجعل من جيل بكامله يصبح مثل المريض الذي لا يستطيع التعبير عن موضع الألم، هو أن المجتمع المدني لا يولي الأهمية الكبرى لهذه الظاهرة التي تنمو في صمت حتى أصبحت كشيء طبيعي وجب القبول به والتعايش معه، وحينما نتحدث هنا عن المجتمع المدني فالأمر يخص مباشرة الجمعيات التي غالبا هي جمعيات مناسباتية تنشط في أيام معينة وبأجندة معينة ولا تهتم في الغالب بجوهر المشاكل التي تصيب المجتمع وتولدها أزمات تربوية واجتماعية ونفسية غير محلولة.
فحسب تعريف الأمم المتحدة، فإن فئة القاصرات هذه هن ضمن خانة أطفال الشوارع وفق هذا التعريف" كل طفل ذكر أو أنثى اتخذ الشارع محلا للحياة والإقامة دون رعاية أو حماية أو إشراف من جانب أشخاص راشدين ومسؤولين فهو من أطفال الشوارع"، والشارع هنا في العرف دائما، يعني عدم وجود إقامة دائمة تغني الطفل القاصر عن الالتجاء إلى الشارع.
هكذا تعرفهم الأمم المتحدة بأطفال الشوارع، أما هن فيعتبرن أنفسهن شابات باحثات عن الحرية بمختلف ألوانها وأشكالها وطقوسها، هكذا تختلف التعاريف لكن المأساة تبقى واحدة.
ليس من سوء الحظ، بل من حُسنه أننا صادفنا قبل أن ننهي هذا التحقيق حالات لقاصرات التحقن من جديد بأسرهن بعدما سئمن حياة الشارع، وأدركن أن الشارع ليس هو المكان الطبيعي لعيش حياة طبيعية تلائم سنهن ووضعهن رغم الفارق الكبير بين تفكيرهن وتفكير أولياء أمورهن، والهوة الشاسعة في طريقة رؤية كل واحد منهما للحياة
الملاحظ كذلك، ونحن نحاول الإحاطة بهذا الملف من كل جوانبه، هو أنه ليس كل القاصرات اللواتي صادفنهن ينتمين إلى عائلات فقيرة أو ضعيفة تعليميا، بل هناك العديد من القاصرات لهن عائلات ذات مستوى تعليمي ومادي جيد، لكن نجاح هذه العائلات في الرقي الاجتماعي لا يوازيه نجاحهم في تعاملهم مع أبنائهم خصوصا وأن الشهادات التي استقيناها تبين أن هذه الطبقة على وجه التحديد لا تولي الأولوية لتربية أبنائها وليس لها مشروع واضح لاستثمار وقتهم في فهم رغبات أبنائهم وملامسة مشاكلهم والإنصات لهمومهم ومواكبة مراحلهم العمرية بالكثير من العناية، وهو ما يجعل مقولة ( لورد روتشتر) تنطبق عليهم حينما قال؛"قبل الزواج كانت لي ست نظريات في موضوع تربية الأبناء .. والآن لدي ست أولاد وليست لي نظرية واحدة".
وهناك أمثلة عديدة على صعوبة فن التربية فالرئيس الأمريكي (ثيودور روزفيلت) كان يقول (( أنه من السهل علي أن أدير دولة، لكن لا اقدر أن أدير دولة وابنتي أليسا)).

| < السابق | التالي > |
|---|




















