إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة أيتها الأخوات نتحدث اليوم بمشيئة الله تعالى في الخطبة الرابعة في سلسلة الخبائث عن التدخين هذه الآفة التي ابتلي بها كثير من الناس، آفة ذمها المؤمن والكافر على السواء، حتى أن عبارة التحذير من هذا الخطر الداهم بصحة الانسن كتبت على هذه العلبة اللعينة التي هي مصدر كثير من الأمراض الفتاكة.
فعليك أخي المسلم أخي المدخن أن تتقي الله في نفسك وفي زوجك وأولادك وفي أصدقائك وجيرانك، لا تؤذي جسمك وعقلك بهذه القاذورات، فالصحة تاج على رؤوس المرضى لايراه إلا الأصحاء، ونعمة الصحة والعافية لا يعلم ثمنها إلا القليل، ولهذا نبهنا نبي الهدى {صلى الله عليه وسلم}: {إذا سألتم الله فاسألوه العافية} وأرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء بهذا الدعاء: {اللهم إني أسألك العفو والعافية} وكان من دعائه {عليه الصلاة والسلام}: اللهم عافني في بدني اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري. فالتدخين أيها الإخوة ايتها الأخوات شر ووباء خطير حاربه الاسلام بقوة وحرمه تحريماً قاطعاً، حرمه لأنه مضر بالصحة مسبب لعدة أمراض، وعلى رأس هذه الأمراض مرض السرطان، والله تعالى يقول:{{ ولا تلقوا بأيديكم إلى ال وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}} سورة البقرة} وهو حرام لأنه قتل بطيء للنفس، والله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء} وهو حرام لأنه يؤذي الغيرويشركهم في التدخين ويؤدي بهم في كثير من الأحيان إلى الموت، والله تعالى يقول: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ﴾ سورة الإسراء} والنبي {صلى الله عليه وسلم} يقول: {لا ضرر ولا ضرار} وهو حرام لأنه خبيث في رائحته وفي طعمه ومذاقه، والإسلام جاء ليحل الطيبات ويحرم الخبائث، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم﴾ْ سورة الأعراف} وهو حرام لأنه إسراف وتبذير وإضاعة المال في ما يضر ولا ينفع، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ سورة الإسراء} وهو حرام لأنه يضر الضرورات الخمس، يضر بالدين ويضر بالنفس ويضر بالعقل ويضر بالمال ويضر بالنسل أيضا.
وهو حرام لأنه إصرار على المعصية، والله تعالى يقول: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ النساء} وهو حرام لأن المدخن يقتل نفسه بنفسه، فالتدخين هو المسؤول الأول عن قتل ملايين البشر سنوياً. والمدخن عندما يدخن فكأنه يدق مسماراً في نعشه، وكأنه يعجل بوفاته، ناسياً قول النبي {صلى الله عليه وسلم}: {من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة} ولذا فالذي يقتل نفسه بالتدخين يعذب به يوم القيامة، بدليل الحديث الذي أوردناه آنفاً.
أخي المدخن الناس تدفع الأموال لشراء الطيب والعطر والمسك والرائحة الطيبة وانت تتجمل بالرائحة الكريهة وتلوث جسمك وتخرب صحتك، وانت بهذا تقطع نسلك وتضعف فيك القدرة الجنسية. إتق الله في زوجك وأولادك، فانت بالتدخين تسبب في إهلاك أعز الأحباب إليك، تسبب في إهلاك زوجتك وتدمير أبنائك وأولادك، وهذه من الجرائم التي لا تغتفر ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الزمر} ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ سورة الانعام} المخاطب هنا هو الانسن الذي ميزه الله بهذا العقل وعلمه ما لم يكن يعلم، منحه نعمة العقل ليميز بين الخبيث والطيب، ويميز بين النافع والضار.
أترضى أخي المدخن أن تكون أخاً للشيطن وتبتعد عن الصرط المستقيم. أترضى أن تحرم نفسك من مجالسة العلماء والصالحين. أترضى أن تكون عبداً مستباحاً لسجارة تحرق جسدك وتميت قلبك وتتحكم في مصيرك. أترضى لنفسك ان تكون سبباً في إذاية أصدقائك وزملائك وإخوانك وجيرانك والمومنين في المسجد، علماً بأن الرسول{ صلى الله عليه وسلم} يقول: {من أكل بصلاً أو ثوماً فاليعتزل مسجدنا واليقعد في بيته} من أكل بصلاً أو ثوماً) هذه أطعمة مباحة غير أنها أكلت من غير طبخ كامل، فكيف بمن يؤذي عباد الرحمن في بيت الرحمن عامداً متعمداً بهذه الرائحة الكريهة، والله تعالى يقول: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ سورة الأحزاب } كيف ترضى لنفسك أن تكون سبباً في إذاية المخلوقات النورانية {الملائكة الكرام} فهم يتأذون من رائحة الدخان الخبيثة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة لتتأذى مما تأذى منه بنوأدم} وما أحوج من يريد الله ورسوله والدار الآخرة ويعلم حقارة وتفاهة هذه الحياة الدنيا أن يعود إلى رشده ويتوب إلى ربه ويقلع عن هذا الداء الفتاك.
ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه وسلم في ساعة يأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصا فالقاها من يده وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله ثم التفت فإذا جرو {كلب} تحت سرير النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: ياعائشة متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريت فأمر به فأخرج فجاء جبريل فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} واعدتني فجلست لك فلم تأت؟ فقال منعني الكلب الذي كان في بيتك إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة} رواه مسلم} لو نظرنا إلى هذا الحديث لوجدنا أن خير خلق الله وبيته من اطهر البيوت على الإطلاق ومع ذالك يمنع عنه الملك جبريل يمنع من دخول البيت النبوي لذنب لم يتعمده النبي {صلى الله عليه وسلم} من أجل كلب صغير تحت سرير النبي {صلى الله عليه وسلم} فما بالنا بمن يؤذي الملائكة عامداً متعمداً، وقد اكتشف الطب أن التدخين مصر بالصحة كما هو مكتوب على هذه العلبة الخبيثة، التي أخبر النيي{ صلى الله عليه وسلم} أنها تضر ولا تنفع عندما قال: {لا ضرر ولا ضرار} ونفس الجملة تقريباً تكتب الآن على علبة السجائر (التدخين مضر بالصحة) فاتق الله أيها المدخن، إتق الله في نفسك وأهلك وفي الأشخاص المحيطين بك، اتق الله وحاسب نفسك قبل أن تحاسب وأقلع عن هذا الوباء الفتاك واعلم أنك عندما تدخن فأنت تتشبه باصحاب النار عياذاً بالله، المدخن يستنشق الدخان وكذالك حال اهل النار فهم ياكلون النباتات الشوكية قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ سورة الغاشية } أسأل الله تعالى أن يحفظنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن وان يرزقنا التوبة الصادقة ومغفرة كل الذنوب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العلمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظلمين، وأشهد ان لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له ولي المومنين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد أيها الإخوة
إن الناظر في عظمة هذا الدين وجمال شريعة الاسلام يجدها لشمولها تعالج جميع القضايا وتلبي جميع الحاجات وليس هناك مسألة إلا ولها حكم في كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما من طائر يقلب حناحيه في السماء إلا ولكتاب الله فيه حكم فكل الواجبات وكل المحرمات إلا ووردت الأدلة بخصوصها في الكتاب والسنة فالصلاة واجبة على المسلم وقد جاءت أدلة كثيرة بخصوصها كقوله تعالى وأقيمو الصلاة وقوله تعالى إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾ سورة النساء } ﴿ وكذالك الزكاة خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وكذالك الصيام ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون َ﴾ وكذالك الحج ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سبيلا ً﴾ وأيضاً بر الوالدين﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ والاعتداء على أموال الغير كذالك ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ ﴿. وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾.
وكذالك الأمر بالنسبة للزنا والربا والغش والسرقة والتجسس وسوء الظن والخيانة والغيبة والنميمة وغبر ذالك الخ وكذالك التدخين فهو حرام بنص القرآن والسنة وبإجماع المسلمين، فالدخان خبيث لأنه مضر بالصحة وبالأهل والأولاد والأصدقاء والبيئة، ومضر بالضرورات الخمس التي أمر الإسلام بخفظها،والدخان قتل بطيء للنفس، ومضر بالمال والعقل، ومن أجل هذا حرمه الإسلام.
وعلى المسلم أن يتق الله وأن يقلع عن هذا الداء الفتاك، والأفضل للمسلم أن يقلع عن التدخين ابتغاء وجه الله وطمعاً في مرضات الله لا من أجل نصيحة طبييب أو تحذير دكتور، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فقد ثبت أن ماعز بن مالك جاء إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} ليقول له طهرني يرسول الله، وقع في الزنا فجاء إلى المعصوم ليقيم عليه الحد وليطهره، قال له: يرسول الله طهرني فقال له النبي {صلى الله عليه وسلم} ويحك ياماعز لعلك قبلت إرجع ياماعز إستغفر الله وتب اليه، فذهب الى بيته ثم عاد في اليوم الثاني والثالث، طهرني يارسول الله.
لاكن السؤال المطروح؟ ما الذي جاء بماعز إلى رسول الله؟ لم يأت بك شرطي أو جندي ولم يره أحد ولم تعتقله سلطة امنية او جهات مدنية إنما أتى بنفسه ليقام عليه الحد ويرجم. إنها التربية، إنها أخلاق الاسلام، إنه المبدأ الذي غرسه النبي{صلى الله عليه وسلم} في قوب أصحابه. { من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه} فمن ترك التدخين ومعه كافة الخبائث، أمده الله بالتوفيق من عنده وأكرمه بحلاوة الايمن وعوضه صحة وعافية وسعادة حقيقية لا تلك السعادة الوهمية العابرة .
أسأل الله تعالى أن يحفظنا في صحتنا وأن يحفظنا في إيماننا وفي ذريتنا وان يرزقنا توبة صادقة قبل الموت وجنة ونعيماً بعد الموت الهم اصلح أحوالنا وأصلح أسرنا واهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم ووفقهم لما تحب وترضى وارزقهم البطانة الصالحة وجنبهم بطانة السوء يرب العالمين سبحن ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

| < السابق | التالي > |
|---|




















