مدونات حر الرشوة ! هذا الوحش الخطير الذي لايموت بسرعة.
 
 

الرشوة ! هذا الوحش الخطير الذي لايموت بسرعة.

نمحمدعبدالرزاقسبق لي أن نشرت على صفحات مدونتي موضوعا يهتم بقضايا الرشوة، حاولت من خلاله أن أبين قناعاتي الشخصية، وموقفي الراسخ تجاه هذه الآفة الخطيرة التي اجتاحت كل جزئيات حياتنا اليومية، فرغم ما يبذل من محاولات جادة ورغم تغير الظروف والأشخاص فلا علاج يوجد اليوم بين أيدينا لمحاربتها رغم كل ما يطرح من نظريات وأفكار وتشجيعات مادية ومعنوية لمستخدمي المرافق الأكثر ارتباطا بها، ذلك لأنها أصبحت موردا رئيسيا لدى البعض لا يمكنهم التنازل عنها بسهولة، ليتركوها باردة لغيرهم، خصوصا أنها أصبحت الطريق السهل لتسلق السلم الاجتماعي المزخرف بآيات النفاق، والتظاهر بحب الوطن أمام الكاميرا والميكروفون.

لذلك فالحديث المسهب اليوم عن محاربتها، لا يجب أن يبقى حديثا للاستهلاك الإعلامي فقط، فنحن مغاربة ونفهم بعضنا بعضا، كما نعرف خبايانا وأحاديث أنفسنا الأمارة بالسوء، وأن التجارب علمتنا أن الذي يتكلم كثيرا لا يمكنه فعل أي شيء سواء بقوة القانون أو بدونه.

في سنة 2006 قررت الحكومة المغربية تأسيس هيئة مركزية لمحاربة الرشوة، لم نعد نسمع بها كما لم ندري لحد الآن النتائج التي وصلت إليها، والنتائج التي حصلت عليها في هذا المجال، وهنا تظهر إرادة للمسؤولين المغاربة في محاربة الآفة، والتي لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون كافية للقضاء على الرشوة، لأنها أصبحت إدمانا لا يمكن الإقلاع عنه من طرف ممارسيه سوي بالتقاعد أوالفصل عن العمل أو حتى السجن، وهناك بعض الحالات التي امتهنت الوساطة بين الزبناء والإدارات العامة والوزارات والمحاكم، حتى بعد التقاعد، نظرا للخبرة والتجربة والشهرة التي اكتسبوها أثناء حياتهم المهنية، ولمعرفتهم الكبيرة بالسراديب المؤدية إلى مكاتب الإدارات.

في حديث عابر مع بعض الأصدقاء، تحدث البعض منهم على أن تحسين الوضعية الاجتماعية والزيادة في أجور بعض الموظفين هي الطريق الأنجع للتخلص من تلك العادة، لكنني حدثتهم عن تجارب سابقة عاشتها بعض الدول العربية في هذا المجال، ذلك أن حكوماتها حاولت المساواة بين أجور بعض الموظفين في سلك القضاء مع أجور الوزراء وأصحاب المعالي ، لكنهم رغم تطبيق ذلك لاحظوا أن الرشوة انتشرت أكثر، كما تضاعفت قيمتها، فالموظف الذي انتفخت أجرته بدأ يطالب برشوة  باهظة مقابل ما سيقوم به من تزوير أو تغاض أوغير ذلك.

ولا غرابة في أن المواطن الذي يحصل على وظيف مقابل رشوة، لا يمكن له أن يتسامح بسهولة مع أي أحد يقع بين يديه ، وهو الذي يعتقد أنها تدخل في إطار الشغل، مادام أن مديره يقبض ورئيسه يقبض، وحتى شاوش الإدارة يقبض.

 لذلك أعتقد أنه مهما بذل من جهد ومهما كان حجم التهديد ومهما كانت قيمة الزيادة في الأجور، فإن الأمر لا يعدو أن يكون هدة مؤقتة سرعان ما تنتهي آجالها وتعود الأمور إلى طبيعتها بعد انتهاء العاصفة.

دعونا من فضلكم نضع أيدينا عن مكمن الخلل، ونساهم بدورنا في التشهير بهذا الوباء الخطير الذي استشرى في جسم أمتنا، ولم نجد له دواء، ودعونا نضع أسئلة بسيطة على أنفسنا دون خجل:
من هو الشخص الذي يدفع الرشوة ؟ إنه المواطن-
ولماذا يدفعها ؟ من أجل الاستفادة من حق ليس له-
ولمن يدفع  هذه الرشوة ؟ للموظف الخائن الذي باع شيئا لا يملكه، ومنحه لشخص لا يستحقه.
ولماذا يأخذ الموظف هذه الرشوة ؟ هل لنقص في الأجرة، أم استغلالا للمنصب ؟

لا أعتقد أن يكون الدافع الذي يتقاضى من أجله معظم الموظفين الرشوة تعود إلى ضعف الأجرة، أو إلى تكاليف المعيشة التي أصبحت صعبة على الجميع أو أي شيء من هذا القبيل، وإلا لماذا نجد معظمهم يدخنون يوميا علبتين أو أكثر من السجائر الأمريكية ؟ ولماذا يتسكع بعضهم طول الليل في حانات وفنادق المدينة ؟ ولماذا يجدد آخرون بذلاتهم كل صباح رغم رتبهم المتواضعة ؟  وهل أصبح التنافس عن تجديد السيارات من طرف بعض الموظفين المعنيين أمر لابد منه ؟ أسئلة ظل المواطن يرددها في نفسه، ولم يستطيع البوح بها مادامت تتبعها إجراءات قانونية تؤدي طبعا إلى المجهول . لذلك أأكد هنا أنني لا أعمم موضوعي على الجميع مادام أن هناك موظفون مغاربة مخلصون قنوعون، يحسنون تدبير أجورهم وصرفها بطريقة عقلانية، تكون كافية لتسيير حياتهم خلال 30يوما دون حاجتهم للبحث عن مداخيل استثنائية غالبا ما تكون عن طريق الارتشاء. لكن يبقي التعود والأحلام بحياة تتجاوز قدرات الموظف المادية، كلها دوافع تجعل الرشوة هي الطريق الأقرب للوصول إلى تحقيقها.

ولعل أكبر شاهد على تجدر الرشوة في أعماق مجتمعنا، هو ما ينشر يوميا عبر الجرائد والصحف والمجلات المغربية، وهي أخبار غالبا ما تكون مستقاة من وسائل أمنية رسمية، وهذا ما يدعونا إلى التفاؤل بالمستقبل، حيث أن تلك المصادر لم تطلها الرشوة من أجل الصمت أو الدفاع عن الجناة وكنموذج لهذا التغيير في بعض العقليات، ما نشرته جريدة الصباح في صفحتها الأولى عدد 3144ليوم الخميس 20ماي 2010 تحت عنوان" اعتقال ضابط شرطة ومفتشين بتهمة التزوير" (وهو موضوع حادثة سير مميتة تحولت فجأة إلى انتحار وإلى شهود زور، بينهم امرأتان رهن الحراسة والاستماع إلى مسؤول أمني سام). ولعل الكثير من مثل هذه القضايا وأخطر منها ظلت حبيسة في قمطر مكاتب المسؤولين، ويعتبرون أن البوح بها سرا من أسرار المهنة لا يمكن الجهر بها. إذن كيف تم تزوير وقائع الحادثة، وهل هؤلاء المتهمين قاموا بذلك لوجه الله أم أن هناك أشياء نجهلها وسيكشفها التحقيق، الذي نتمنى أن يكون نزيها، حتى يساهم في الضرب على أيادي كل المتلاعبين والمغامرين بحياة المغاربة، ويكون عبرة لغيرهم.

إن الحديث عن محاربة الرشوة في بلد اختلطت على مواطنيه معناها، وأي حدود لها، في وقت أصبح الحصول على عمل قار، يتوقف على وجود الوساطة، والاستعداد لدفع أي قدر مالي مقابل ذلك، يزيد في حدة ذلك تنافس المواطنين أنفسهم على السباق نحو فعل أي شيء سيء من أجل مستقبل أبنائهم، هذا المستقبل الذي يكون دائما على حساب مستقبل الأغلبية من أبناء الشعب الحالم، والذي يولد المزيد من شقاء ومعاناة الوطن مع من يريدون تحطيمه في الخفاء، وقتل كل نواة لتغيير العقليات والسلوك.

إذا غاب الضمير، واقتلعت جذور المواطنة من أبنائه، وهذا ما يحدث فعلا في وطننا، فإن العلاجات الاستثنائية المقدمة لجسد الوطن تصبح منعدمة الفائدة، رغم ما يقوم به الإصطلاحيون الجدد عن طريق الدعاية والوعظ  والإرشاد الأخلاقي ، لأن القضية أكبر من الوعظ، ومن الخطب النارية، وفلسفة جمعيات المجتمع المدني، لأن أهم عنصر يحكمها ويسيرها هو المال المجاني الذي لا يتطلب جهدا و لاتعبا ولاضميرا،سوي توقيع على شهادة إدارية مزورة. " ونفتخر بأننا ساهمنا في فضح هذا الوباء الذي أصبح يعترف به الجميع هو بداية طريق طويل وشاق للإصلاح المرتقب في وطننا".

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy
 
 
 
 
left direction
right direction
'غضبة ملكية ' تنقل والي امن الدار البيضاء إلى زاكورة
استئنافية الدار البيضاء ترفض ملتمس السراح المؤقت لرشيد نيني
7 قتلى بهجمات جنوب إسرائيل
مبارك ينتقد جرائم نظام بشار الأسد ضد شعبه ويطالبه بالتنحي
ميسي يضرب ريال مدريد في مقتل.. ويمنح برشلونة لقب السوبر الإسباني
الغموض يكتنف مصير هرماش مع الهلال السعودي
الشرقاوي: الانتخابات البرلمانية يوم 25 نونبر القادم
وقف بث محاكمة مبارك تلفزيونيا
صالح يتعهّد بالعودة قريباً إلى اليمن في كلمة مباشرة وجهها لأنصاره
القذافي: سينتهي القصف وينتهي الحمير في الخليج وتبقى ثورة الفاتح
الفاسي: حصيلة الحكومة المغربية كانت إيجابية بكل المقاييس
برشلونة الاسباني يضم مهاجماً عربياً للمرة الأولى في تاريخه