مدونات حر الفأرة المتخلفة في بلاد العناكب بقلم:هشام منصوري
 
 

الفأرة المتخلفة في بلاد العناكب بقلم:هشام منصوري

الهجرة السرية إحدى الظواهر الملفتة والتي عجزت الإنذارات الكاشفة والتكنولوجيا الرقمية، و أجهزة المسح و المياه و الأسلاك الشائكة و الأحزمة الأمنية من تطويقها. فرغم قدم الظاهرة على المستوى التاريخي، لا يزال الإنسان غير قادر على ضبط تحركاته غير المشروعة، حيث تتمكن باستمرار جماعات مدججة أحيانا بأبسط الوسائل من التسلل إلى دول كبرى في حجم اسبانيا و إيطاليا. بالموازاة مع ما نعيشه يوميا في حياتنا المعاشة من إخفاقات و إنجازات، نمضي أوقاتا لا يستهان بها في العالم الافتراضي متنقلين بين الصفحات والمواقع و مسافرين عبر الحدود.

هذه التنقلات، كمثيلاتها على أرض الواقع لا تخلو من تجاوزات و مشاكل، ولعل القرصنة أبرزها حيث يمكن اعتبارها، بدون مبالغة، مرادفا لإتحاد الهجرة السرية و الجاسوسية و السرقة في العالم الواقعي، بل أخطر من ذلك إذا علمنا أن الانترنت اليوم شبيه بدولة يدخلها من شاء، متى شاء بدون جواز سفر، دولة تقبل اللجوء السياسي بدون شرط أو قيد و تعطي الحق لمواطنيها بأن يدونوا ما يشاءون على أوراقهم الشخصية. فتصوروا المستوى الذي وصلت إليه الحرية و الديمقراطية في بلاد العناكب، لكن تصوروا أيضا مدى هشاشة وزارة داخلتيها. و من بين القطاعات ذات الارتباط بالشبكة نذكر مجال التربية و التكوين، الذي يعيش أزمة حقيقية في المغرب بسبب كثرة الطباخين، ففي المدارس يتم إسقاط البرامج الأوروبية بعشوائية دون ملائمتها وواقع البلاد، فتكون النتيجة انفصام في شخصية الفرد الذي يعيش مغربين مختلفين: مغرب يدرس فيه و مغرب يدرسه. ينتهي هذا الفرد بتكوين مليء بمعلومات غير متجانسة فيما بينها و مع الواقع المعاش، و هنا تكمن الخطورة حيث يلجأ الفرد إلى استغلال ذكائه للقيام باجتهاده الشخصي قصد إعادة ترتيب تلك المعلومات في محاولة منه لتصحيح نفسه ومساره من جهة، ومن جهة أخرى تدارك ما فاته، وفي كثير من الأحيان يفشل عندما يتصادم مع مشاكل أخرى ذات صلة بإكراهات المجتمع فتكون النتيجة الحتمية الاستسلام، أو اللجوء إلى الخداع بكل ألوانه عبر الدخول من الثغرات القانونية، بهدف الوصول إلى المال وربما لاحقا الشهرة من بابها الممتنع، و الانترنت أسهل البيوت التي تحتضن هؤلاء.المحاولة لا تنجح دائما فالعديد انتهوا إلى السجن بعد جلسات المحاكمة الطويلة، و هذه قصة أخرى، حيث يتم التعامل مع جرائم الانترنت بنفس المنهجية مع جرائم الواقع اليومي و في أفضل الحالات يتم الاستنجاد بخبراء في الإعلاميات من أجل تقدير قيمة الضرر، وبتعدد المراحل التي يمر منها التحقيق و كثرة "المنسقين" تتحول المحاكمة فعلا إلى تقدير(بكل ما تحمله هذه الكلمة بالعامية من عشوائية) فتضيع الحقيقة...

من هذا المنطلق يمكن أن نفهم التخوف المشروع لبعض الأنظمة العربية من اعتماد الانترنت كقاعدة لبياناتها الإدارية من أجل تسهيل التواصل مع المواطنين و تقديم الخدمات عن بعد و بسرعة أكبر. لكن يبقى هذا الحل(التخوف) ترقيعيا ومن باب الهروب إلى الأمام، إذ أن الانترنت كثقافة ما هو إلا وجه من أوجه زحف العولمة التي لا مفر من ركوبها بكل سلبياتها و إيجابيات. بعض الدول العربية تأهبت منذ البداية لكبح جماح هذا القادم الجديد المسمى الانترنت. فبعضها اشترى أجهزة متطورة جدا بملايين الدولارات لمراقبة وحجب مواقع الانترنت التي تعتبرها معادية. في حين أن الواقع يؤكد أنه بات من شبه المستحيل منع الناس من التعبير عن ذاتهم، فالمعلومة تحررت رغما عن أنوفنا و لن يكون بوسع الحكومات بعد اليوم احتكار وسائل التعبير.

في ظل هذه الحرية الذي فرضته الثورة الكبيرة للانترنت و التقنيات الحديثة للإعلام، و الذي يضمنه مبدئيا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عقب أحداث لحرب العالمية الثانية، و الذي نصت مادته رقم‏19‏ علي ضمان حرية الرأي والتعبير دون تدخل‏, ‏ بما فيها حرية الحصول علي المعلومات والأفكار عبر أية وسيلة إعلام‏، يتأكد(في ظل هذه الحرية) أن أية حكومة تسعى في المستقبل إلى غير ذلك، عبر التشويش على الواقع و اعتقال الأفراد لن يزيد إلا في شعبية أفكار هؤلاء. لكن هل يعتبر ذلك ضوءا أخضرا لبث رسائل تدعو إلى الكراهية والعنصرية(الدينية و الإثنية)آخرها نشر الرسوم الكاريكاتورية بإحدى الجرائد الدانماركية، و الذي وازته على الشبكة حملة دعائية عنصرية مشينة ضد الإسلام؟؟‏..‏ أم أن هناك خطا رقيقا يتعين تحديده بدقة يميز الحرية عن الفوضى، و يبعد كوكب العناكب عن كوكبنا؟

لا شك أن كل أشكال الثورة الإعلامية التي يشهدها العالم اليوم تدور حول هدف مركزي عام وهو التواصل. التواصل بين الأفراد و الجماعات، و أيضا و بدرجة أهم بين الدول المتقدمة و نظيراتها المتخلفة ( أو السائرة في طريق النمو لتفادي الإحراج)‏، بهدف تحقيق تفاهم أكبر و تنمية مشتركة، غير أن الأرقام لها رأي آخر، ف 70 ‏ في المائة من شبكات الانترنت في العالم تستخدمها‏24‏ من أغني دول العالم‏، وهي دول تقطن فيها فقط ‏16 ‏ في المائة من مجموع سكان الكوكب‏..‏ والجدير بالملاحظة أن العالم ليس منقسما إلي قطبين من وجهة نظر البنية التحتية للتكنولوجيات وحسب‏،‏ وإنما أيضا من وجهة نظر محتويات هذه البنية‏، دون نسيان التقسيم الاقتصادي الصرف الذي يضع الدول الغنية في خانة و المتخلفة في سلة. كعرب تشير الدراسات والإحصائيات، إلى أن لغتنا لا تمثل سوى 0.5% من مساحة الاستخدام على شبكة الانترنت ، وهذا الرقم لا يجب التذرع به كسبب لغيابنا على الشبكة، سيما أن لغات أخرى أقل تحدثا و شعبية من اللغة العربية تمكنت من فرض نفسها بدرجة ملفتة. في المقابل من هذا الحضور الباهت و المخجل ـ على مستوى المواقع و البرامج ـ للدول المتخلفة عامة، نلاحظ، عكس ما يمكن اعتقاده، أن هاته الأخيرة تنافس على مستوى الاحتكاك اليومي للمواطن بالشبكة، خاصة مواقع الدردشة الآنية و التعارف، و بنسبة أقل المعاملات التجارية. كما لا يجب أن ننكر ظهور نيات حقيقية لدى بعض هذه الدول في تحرير قطاع الاتصال بصفة عامة، و المغرب في القائمة ومعه جل دول النفط. غير أن الاستمرار في التحرير بهذه الطريقة العمياء بدعوى مسايرة الدول المتقدمة هو من باب المغامرة الكبرى.الحاضر بدأ يظهر مدى خطورته، والمستقبل سيؤكده جليا من خلال أنواع الجرائم التي ستبرز: التأثير سلبا على القطاع السياحي و التجاري عن طريق السطو بواسطة بطاقات الائتمان. ـ ـ التجسس على بنوك المعلومات و تسريبها- استغلالها لمآرب سياسية . ـ البلبلة عن طريق نشر الإشاعات خاصة عقب مشاكل داخلية. ـ استغلال الصورة: لا تخفى على أحد قوة الصورة في خلق الرأي العام و التأثير فيه، طبقا للمقولة الصينية:صورة واحدة تعادل ألف كلمة. ـ شل شبكات الاتصال في حد ذاتها: تدمير المواقع، خاصة الرسمية. ـ التزوير بكل أشكاله.

اللائحة طويلة طبعا و يستحيل حصرها في بضعة أسطر، لكن يظهر جليا أن كل الأضرار ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالميدان التجاري، وهذا ليس غريبا فالمال والتكنولوجيا توأمان حقيقيان، ويكفي أن نعلم أن بيل جيتس مدير شركة مايكروسوفت هو أغنى رجل في العالم. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن الثورة الإعلامية بصدد أن يتأكد طابعها بوصفها ظاهرة معولمة منذ البداية. فإذا كان واقع شبكة الانترنت في بداية إطلاقها يعكس ميلاد مواقع النشر معلومات عامة وتعريفية وإعلامية، فان السائد في وقتنا الحاضر ونحن في بداية القرن الجديد، شيوع مواقع التجارة الالكترونية، حتى أن المواقع المعلوماتية البحتة أضافت إليها مداخل لأنشطة التسويق والخدمات على الخط، ولا يكاد يخلو موقع من نشاط استثماري ومالي، بشكل مباشر أو غير مباشر. أمام واقع ومفرزات عصر التقنية العالية، ونماء استخدام وسائل التقنية، وتزايد الاقتناع باعتمادها نمطا لتنفيذ الأعمال ومحورا للتطور، وفي ظل دخول غالبية الدول العربية منظمة التجارة الدولية، وواقع متطلباتها المتمثلة بتحرير التجارة في السلع والخدمات، ودخول الشركات الأجنبية الأسواق العربية كجهات منافسة حقيقية ، بالإضافة إلى ماتوفره التجارة الالكترونية من تسهيل عمليات التنافس، فان تجاهل استخدام هذه الوسائل التقنية تعبير عن عدم القدرة على امتلاك أدواتها، وينم عن تخوف من المستقبل ورضا بالحاضر و حنين إلى الماضي عبر المحافظة على الأنماط التقليدية التي يرى الباحثون أنها لن تصمد طويلا، فالأنماط التقليدية للتجارة وان كانت لا تزال هي القائمة، فان بنية تنفيذها تحولت شيئا فشيئا نحو استخدام الوسائل الالكترونية.

هذا الخوف من التغيير، و الخوف من الفشل في التغيير تشترك فيه كل الدول المتخلفة بدون استثناء، وعلى حد تعبير أحد العظماء فالمشكلة لا تكمن في الخوف في حد ذاته بل في الخوف من الخوف، فعوضا من أن تمشي في طريقها و هي خائفة، نجدها تتبنى كل ما تجده قريناتها المتقدمة لتوهم نفسها أنها سائرة في طريق النمو، بينما الحال أنها لم تولد بعد حتى تتحدث عن النمو، والذي في كل الأحوال لن يتحقق بشرب حليب الآخرين.

هنا أتساءل إن كانت مشاكل دول العالم الثالث هي نفسها مشاكل الدول المتقدمة؟ إن كان الجواب بالنفي، فإن سؤالاـ غير منطقي طبعا ـ آخر يطرح نفسه: هل لمشاكل الطرفين نفس الحلول؟ عبر التاريخ تلاعب" الذكي" بعقل" الغبي"، ونحن كدولة متخلفة لم نخرج عن هذه القاعدة، فالتوغل الاستعماري في الجزائر و المغرب ثم في باقي بلدان المشرق العربي سبقته تمهيدات على كل المستويات حتى الدينية منها كاستغلال التبشيريين. وعلى المستوى القومي فقد رأينا مثلا كيف أكلنا الحلوى السامة التي أهديت لنا حينما بعث وزير الخارجية البريطانية عام 1917رسالة ـ والتي عرفت فيما بعد باسم وعد بلفورـ إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، لتوضع اللبنة الأولى خطوة لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين حيث قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين. ولننظر كيف تحولت ورقة مساحتها بعض السنتيمترات إلى كيلومترات مربعة من أرض حقيقية.

الدول المتقدمة تخشى المنعرجات و كلما ظهر شيء جديد إلا بادرت إلى احتكاره و دراسة آثاره المستقبلية على الدول المتخلفة حتى تتصدى لها وتخفف من حدتها إن كانت ايجابية. من الوهم الاعتقاد أن الهم الوحيد لهاته الدول هو الحفاظ على ريادتها، فعدم تقدمنا يدخل أيضا في صلب اهتماماتها، و أحيانا كثيرة يكون همهم الثاني أكبر من الأول. يذكرني هذا الأمر بتصريح لأحد مدربي كرة القدم الأكفاء الذي صرح ذات مرة عقب انتصاره على إحدى الفرق المرموقة:" لم نلعب الكرة، لكن لم ندع الفريق الخصم يلعبها". هذا ما يحدث تماما اليوم، فالدول المتقدمة تسير إلى الأمام و تتفادى فتح الأبواب التي تمكننا من رؤية النور، وهذا منطقي لأنها بكل بساطة وصلت درجة من الإشباع الذي جعلها تركز على كيفية سلك أفضل الطرق لتي تجنبها الكوارث التي قد تتهددها،‏ أكثر مما تفكر في ترشيد إمكانيات أصبحت متاحة. الدول المتخلفة اليوم بحاجة إلى التوقف عن الجري للحظة و الخروج من جسدها قصد رؤيته من بعيد، حينما تفعل ذلك سترى أن المسافة التي تفصلها بالدول المتقدمة ليست بالضخامة التي تتصورها، لكنها في المقابل ستفهم أن الهوة الرقمية تتسع بسرعة كبيرة لا تحتمل الانتظار، و ستستنتج في النهاية أن اللحاق بالآخرين لا يمر بالضرورة عبر التقليد بدعوى المسايرة: إذا كنا نساير في الاستهلاك فيجب أن نساير في الإنتاج، وإلا بقيت فأرتنا متخلفة مهما كثرت نقراتها ..


هشام منصوري

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy
 
 
 
 
left direction
right direction
'غضبة ملكية ' تنقل والي امن الدار البيضاء إلى زاكورة
استئنافية الدار البيضاء ترفض ملتمس السراح المؤقت لرشيد نيني
7 قتلى بهجمات جنوب إسرائيل
مبارك ينتقد جرائم نظام بشار الأسد ضد شعبه ويطالبه بالتنحي
ميسي يضرب ريال مدريد في مقتل.. ويمنح برشلونة لقب السوبر الإسباني
الغموض يكتنف مصير هرماش مع الهلال السعودي
الشرقاوي: الانتخابات البرلمانية يوم 25 نونبر القادم
وقف بث محاكمة مبارك تلفزيونيا
صالح يتعهّد بالعودة قريباً إلى اليمن في كلمة مباشرة وجهها لأنصاره
القذافي: سينتهي القصف وينتهي الحمير في الخليج وتبقى ثورة الفاتح
الفاسي: حصيلة الحكومة المغربية كانت إيجابية بكل المقاييس
برشلونة الاسباني يضم مهاجماً عربياً للمرة الأولى في تاريخه