أرشيف
 
 

ولادهم في النعيم ولاد الشعب في الجحيم

زينب شاتيتالزمان: يوم 28 غشت 2009

المكان: ساحة 16 غشت

شبان وشابات يعدون بالمآت، وقفوا ذلك اليوم في تلك الساحة يرفعون عقيرتهم بالشجب والاستنكار، معبرين عن سخطهم وغضبهم وما يضطرم في أعماقهم من مشاعر الإهانة و"الحكرة".

زينب شاتيت...

إسم انبجس من جوف جحيم  يرافقنا ويرانا ولكننا نأبى أن نراه.

صور فظيعة ترفع إلى السماء وكأنها ترفع ما تمثله من وحشية وبشاعة إلى الله ليراها في علاه.

وجه محرق بالحديد الأحمر ...جسد موشوم بسياط مصنوعة من خيوط الكهرباء...عضو تناسلي مسلوق بالزيت المغلى...

تنديد واستنكار من أجل أن يكون العار أكثر عارا...

" المجرمون محميون... وفين الحق والقانون؟"

"الجريمة ها هي... والعدالة فين هيا؟"

" ولادهم في النعيم ... ولاد الشعب في الجحيم..."

"واش من طفولة هادي...والتعذيب بلعلالي..."

" ياقاضي يا إرهابي...زينب فالفرابي..."

عمرها 11 سنة...

عمر الورود العطرة. غير أن جسمها مجرد هيكل عظمي تنعق فيه غربان الفناء...رأسها أملس حليق... وجسدها برمته كتلة مهترئة متقيحة...

تنحدر من قرية نائية مهمشة تختبئ بنواحي تازة... قرية ضائعة في ليالي البؤس المغربي الأصيل ... قرية سابتة في سبات المسؤولين العميق... قرية تسمى سبت باب الرملة...

خادمة صغيرة سلمها بؤس أبيها منذ خمسة أشهر خلت إلى أسرة قاض بواسطة سمسار متخصص في بيع الرقيق على الطريقة الحديثة، طريقة المتاجرة في طفولة الخادمات الصغيرات مقابل ثمن بخس يندى له الجبين...

إنها زينب... برعم لم يتفتح بعد، ولكنه يحمل معاناة بحجم الجبال...

زينب...طفولة مذبوحة بسكين دولة اللاقانون...

زينب...براءة مغتالة بسلاح اللاعقاب كآلاف البراعم الأخرى التي تفتحت والتي لم تتفتح بعد في هذا البلد "المتفتح السعيد..."

أسابيع ممددة من التعذيب الوحشي، خضع خلالها جسمها الصغير الطري الهش للصلب على الحيطان والزج به في المراحيض، مع ما صاحب ذلك من ضرب مبرح لا يفتر إلا ليسترسل من جديد...

وأخيرا جاء الخلاص...

جاء لما أطلقت الطفلة ساقيها للريح لتهرب بجسمها المحروق من جحيم الدنيا بعد أن آنست غفلة من لدن حراسها "الظرفاء الطيبين..".

وعثر عليها راعي من الرعاة على طريق بقرب ضفاف وادي إيسلي.

عثر عليها منهكة خائرة القوى، محروقة بالنار، مثخنة بالجراح.

سيقت إلى مركز للشرطة حيث سجل البوليس لها محضرا، ثم نقلت إلى مستشفى ابن طفيل قصد الإسعاف.

وثمة، وقف الأطباء على فداحة التعذيب، فكتبوا لها شهادة طبية تعدد ما لحق بها من أضرار وتقدر مدة العجز بستين يوما.

من هم الجلادون؟

قاض لبس جلباب العدالة ليحكم بين الناس بالحق ولا يشطط.

وزوجته الموقرة المصونة الحامل في شهرها التاسع...

ووكيل للملك يماطل ويلف ويدور...

تذكروا من فضلكم...  فإن الذكرى تنفع المؤمنين...

تذكروا ابنة مستشار الحسن الثاني...

وتذكروا زوج عمة الملك محمد السادس...

وتذكروا ابن الوالي المدلل...

تذكروا وتذكروا وتذكروا، فإن حالات كهاته أصبحت رياضة مخزنية

للتسلية لدى الميسورين المتخمين في هذا البلد الأمين.

لما تواجهت الضحية مع معذبيها أكدت هي ونكرا هما.

كما هي العادة أيها السادة، الجلادون في هذا البلد العزيز،"يطلعون إلى الجبل" دائما وينفون التهم المنسوبة إليهم جملة وتفصيلا.

ولكن الشرطة اكتشفت أدوات التعذيب الرهيبة.

براهين قاطعة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

تعبأت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومعها جمعية "ماتقيش ولادي" ونزلتا إلى الشارع من أجل التنديد وتنظيم وقفة احتجاجية.

أخذتا بتلابيب القضية وأحكمتا القبض عليها، فحاصرتا وكيل الملك، وتابعتا التحقيق عن كثب، وأخبرتا الرأي العام أولا بأول.

ليست هذه المرة الأولى التي يستغل فيها رجال السلطة وموظفون سامون نفوذهم ليمارسوا ساديتهم المكبوتة على خادمات دخلن بالكاد عتبة الطفولة.

يفعلون ذلك لأنهم يدركون أنهم في معزل عن المتابعة والعقاب...

يفعلون ذلك لعلمهم المسبق بأن العدالة تحميهم وتتساهل مع ذواتهم الكريمة...

إنها معضلة اللاعقاب التي تنمي عضلات الطغيان والجبروت، وتفرخ في هذا البلد مآت المآسي والنكبات...

وضعت زينب الصغيرة، زينب المغصوبة في طفولتها البريئة، وضعت في منأى عن الأنظار المستنكرة، في غرفة ستائرها مسدلة وبابها محروس بشرطي ترتسم على حواجبه المعقودة وقسماته المتجهمة علامة: قف...

ولكن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعية "ماتقيش ولادي" أبانتا عن كثير من الحزم والإصرار، فاستطاعتا فك الحصار والدخول إلى غرفة الطفلة المعذبة من أجل الوقوف على حقيقة المأساة.

ماذا وجدتا؟

وجدتا أن "أجمل بلد في العالم" يعرض "جماله الأخاذ" على لوحة صنع قماشها من جلد طفلة في عمر الزهور...

"جمال" في منتهى البشاعة والقبح، يبعث الكوابيس في العقول، ويثير التقزز والغثيان في النفوس...

والآن؟

على الجلادين أن يتحملا مسؤوليتهما كاملة غير منقوصة.

وعلى الوالد أن يتحمل مسؤوليته كذلك لأنه خرق القانون ودفع بابنته القاصر إلى العمل، ثم تستر على ما أصابها من تعذيب، ربما لمقايضة ذلك بثمن زهيد.

وعلى السمسار أن يتحمل مسؤوليته هو الآخر، لأنه وسيط شر، يقتات من عذاب القاصرات البئيسات اللائي يدفع بهن إلى بيوت الأغنياء كما تدفع الحملان الوديعة إلى المذابح الملطخة بالدماء.

وفي انتظار أن يقدم كل هؤلاء إلى العدالة، ماذا سيكون مصير زينب الصغيرة؟

من سيتكفل بها ويأخذ بيدها؟

من سيضمن لها متابعة طبية وعلاجا نفسانيا؟

من سيأخذ على عاتقه مصاريف العمليات الجراحية والتجميلية والجينيكولوجية لإعطائها فرصة ثانية في الحياة؟

إحدى عشرة سنة...

أحد عشر ربيعا...

إحدى عشرة زهرة ذاوية...

ينبغي ألا تفركها الأيادي الآثمة فترمى كالنفاية في عرض الطريق...

ينبغي تخليصها من أيادي والدها ووالدتها وجعلها في محيط تكون فيه هذه المتابعة الطبية ممكنة، ويكون من حقها الالتحاق بالمدرسة، وبالتالي معانقة الأمل والحياة من جديد....

ينبغي وينبغي وينبغي...

ولاد الشعب في الجحيم... وولادهم في النعيم

وتمضي الأيام... وتتكرر المآسي... ويتكرر الاحتجاج...

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy
 
 
 
 
left direction
right direction
'غضبة ملكية ' تنقل والي امن الدار البيضاء إلى زاكورة
استئنافية الدار البيضاء ترفض ملتمس السراح المؤقت لرشيد نيني
7 قتلى بهجمات جنوب إسرائيل
مبارك ينتقد جرائم نظام بشار الأسد ضد شعبه ويطالبه بالتنحي
ميسي يضرب ريال مدريد في مقتل.. ويمنح برشلونة لقب السوبر الإسباني
الغموض يكتنف مصير هرماش مع الهلال السعودي
الشرقاوي: الانتخابات البرلمانية يوم 25 نونبر القادم
وقف بث محاكمة مبارك تلفزيونيا
صالح يتعهّد بالعودة قريباً إلى اليمن في كلمة مباشرة وجهها لأنصاره
القذافي: سينتهي القصف وينتهي الحمير في الخليج وتبقى ثورة الفاتح
الفاسي: حصيلة الحكومة المغربية كانت إيجابية بكل المقاييس
برشلونة الاسباني يضم مهاجماً عربياً للمرة الأولى في تاريخه